وهبة الزحيلي
11
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فيه تنزيل غير العاقل منزلة العاقل ، حيث عبر عن الشمس والقمر والنجوم بضمير جمع المذكر في قوله يَسْبَحُونَ بدل : يسبح ، لأن السباحة من صفات العقلاء . يَأْكُلُونَ و الْعُيُونِ و يَعْلَمُونَ و مُظْلِمُونَ و يَسْبَحُونَ و الْمَشْحُونِ و يَرْكَبُونَ سجع لطيف غير متكلف ، وكذا في قوله الْعَلِيمِ و الْقَدِيمِ . المفردات اللغوية : وَآيَةٌ لَهُمُ علامة دالة على البعث . الْمَيْتَةُ التي لا نبات فيها ، وتقرأ بتخفيف الياء أو بالتشديد ، والأول أشيع لسلسها على اللسان . أَحْيَيْناها بالماء فصارت حية بالنبات . وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا المراد جنس الحب كالحنطة . فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ قدم الصلة ( الجار والمجرور ) على الفعل للدلالة على أن معظم ما يؤكل ويعاش به هو الحب . جَنَّاتٍ بساتين ذات أشجار مثمرة كالنخيل والأعناب . وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ فتّحنا وشققنا فيها شيئا من العيون . لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ثَمَرِهِ يقرأ بفتحتين وضمتين ، أي ثمر المذكور من النخيل وغيره . وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قيل : ما : نافية أي لم تعمل الأيدي الثمر بل العامل له هو اللّه ، والأصح : أنها اسم موصول عطف على الثمر ، والمراد : ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما . أَ فَلا يَشْكُرُونَ أنعم اللّه تعالى عليهم وهو أمر بالشكر ، من طريق إنكار تركه . سُبْحانَ تنزيها للّه عما لا يليق به . الْأَزْواجَ كُلَّها الأنواع والأصناف المختلفة . مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من النبات والشجر . وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أي وخلق الأزواج من أنفسهم ، وهم الذكور والإناث من بني آدم . وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ من أصناف المخلوقات العجيبة في البرّ والبحر ، والسماء والأرض ، مما لم يطلعهم اللّه عليه ، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته . وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ أي وعلامة دالة لهم على القدرة العظيمة وتوحيد اللّه ووجوب ألوهيته . نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ نفصل منه النهار ونزيله عنه ، والسلخ : إذهاب الضوء ، ومجيء الظلمة . فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة . وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها آية مستقلة أخرى ، تطلع وتسير لحد معين ينتهي إليه جريانها ودورها . ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ أي ذلك الجري تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور ، الْعَلِيمِ المحيط علمه بكل معلوم . قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي جعلنا له منازل ، والمنازل : جمع منزل ، والمراد به المسافات التي يقطعها القمر في يوم وليلة ، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها ، فإذا صار في آخرها وهو حينئذ دقيق قوس ، عاد إلى أولها . ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما ،